الإضراب عن الطعام مأساة لا ملهاة

فداء - غزة
 
صحيفة فلسطين / بقلم: علي محمد عصافرة 
 
 
إن ّ قولبة العقول المقاومة هي لعبة الاحتلال التي يمارسها بكلّ الوسائل والسجن واحدة من تلك . 
 
هناك بين جدران أربع يصبح لكلّ شيء قيمة ، الكرتونة ، والورقة المهملة ، الملعقة ، الصحن وحتى رباط الحذاء . يحاول المحتل أن يضع المقاوم في بوتقة تصهره فيها الأشياء المهملة ، يحاول أن يروض الخيل البرية الجامحة في نفسه من خلال الحرمان ، يزوي له الدنيا في بيضة مسلوقة أو في رغيف خبز ، يشعره أن التلفاز هو نافذة الكون المفتوح ، وأن الفورة الصغيرة هي فضاؤه الملهم وسماؤه الغرّاء . 
 
والعدد ضرورة للدلالة على الحياة ، إنّ هذا الواقع الذي يوضع فيه إنسان حر واقع تتمرد عليه نفس عاشت لفكرة وقاتلت لهدف ، وتأباه النفس الشريفة ، وتنبذه العقول السوية ، وهنا يكمن الصراع الحقيقي ، بين الإنسانية والعبودية ، وبين الموت الحياة ، فينبري الأسير الفلسطيني لمقاومته ويتمرد عليه بوسائله ، وماذا يملك الأعزل إلا الإرادة ، وماذا يملك الأسير إلا قلبه الذي يحلق فيه بعيداً عن مكان الظلمة هذا ، ويستعلي به على هذا الواقع اللاإنساني ، فتأبى نفسه أن تتقوقع في الواقع المفروض ، وتحلق روحه في فضاء من الأحلام الجميلة ، ويعتاش على ذاكرة الأمس حتى يخرج من سجنه كيوم سجن ، فلا يساس ولا ينقاد ، وفي سبيل ذلك يترك طعامه وشرابه ، ويثب على هذه الغريزية التي يراد لها أن تتحكم فيه ، ويطلق العنان لروحه كي تقود ، فيضرب عن الطعام في ظاهره غير أنه يضرب عن العبودية في حقيقته ، رافضاً أن يتوب عن الحرية ، أو يستغفر من ممارسة حقه في الحياة ، فيصبح الصّراع في ظاهره بسيطاً ساذجاً ولكنّه يعني انتفاضة الفطرة في الإنسان ومقاومة الفكرة وارتقاء الروح ، واستعلاء النفس على متطلبات الجسد ، فهو يضرب عن الطعام ليقول لنا : أنا لست بهيمة خلقت للأكل الشرب وإنما أنا إنسان بكل ِخِلقته . 
 
فالإضراب عن الطعام من وجهة هو ترك ومن جهة هو أخذ ، ومن زاوية هو يريد ومن زاوية هو يدع ، فليس الإضراب عن الطعام إلا كلمة مرادفة للحرية . 
 
ومن هنا يختلف تفاعل الميادين مع هذه الحالة باختلاف النظرة إليها ، فمن وجد الإضراب ترك للطعام وجد أن الترك مهلكة ومن وجده أخذ لحق مغتصب وجده جهداً ومجاهدة وصبر ومصابرة , ويختلف ردة فعله بطبيعة فهمه . والعاقل يعرف أن الحرية لا تحفظ في ثلاجة الأفعال الباردة وأن الفرد الذي يسجن لأجل الجميع كي يحافظ على قيمنا العليا التي خلقنا لأجلها له حق على الجميع أن يعيشوا لأجله ، وإن الإضراب عن الطعام يعني أن هناك سقفاً زمنياً لإحداث النصرة وترجيح الكفة لصالح الأمعاء الخاوية ، وإن ساحات الأحرار لا تصلح لأقدم الهواة ، وميادين النصرة ليست طاولة للشطرنج ، فهناك يسقط البيدق لحماً ودم ، وهنا يتهاوى أحجار وخشب .