جمال الزبيدي ... قصة نجاح تبلورت في السجن



فداء - فلسطين المحتلة /خاص 

أميمة صوالحة 

 

في كل ورشاته وحلقاته التدريبية يرفع إبهامه مع ابتسامةٍ لا تفارق شفتيه، ترى أملاً يلمع في عينيه لتنطق قبل لسانه مقولته الشهيرة " الحياة كنز أنت تملكه فلا تضيعه، واحذف المستحيل من قاموسك ".

الأسير المحرر جمال الزبيدي 28 عاماً من مدينة نابلس مدرب في مجال الإدارة و التنمية البشرية، نموذج مشرق للأسرى الذين تعددت سبل المقاومة لديهم، فبذل النفس ولم يكتفي،فأسر ثلاث سنوات ونصف ليخرج بعدها،ويعمل على بناء جيلٍ واعٍ . يقول الزبيدي"عند خروجي من السجن كنت أعلم أنني سأواجه تحدياتٍ كثيرة وأنني سأصدم بواقع مأساوي لأنني سأخرج وأنا أفتقد ركني الأسرة الأساسيين وهما والِدَي، ووجود معظم أصدقاءي في السجن، ولكن رغم ذلك تفاءلت لأنني موقن بأن شعبنا يستحق".

"جمال الزبيدي" منذ نعومة أظفاره ، كان إنساناً طموحاً وقرر أن يكون مختلفاً، فقد اعتاد على زيارة المكتبة منذ كان عمره عشر سنوات، وعندما بلغ عمره ثلاثة عشر عامًا شارك بالبرلمان الشبابي الفلسطيني، وقد ساعده ذلك في صقل شخصيته كثيرا، فقد شارك خلال عامين بثلاثة عشر لقاء تلفزيوني، بعد ذلك أسر لأول مرة وكان عمره 16 عاماً لمدة 15 يوماً استثمرها بطريقة ذكية،فتعرف على تجار في السجن واكتسب منهم مهاراتٍ في التجارة ليخرج بعدها ويبدأ عمله بالتجارة والتي ساعدته على تكوين ثقافة وخبرة إداريةٍ ناجحة.

لم يمضي على خروج الزبيدي من الأسر سوى أربع سنوات ونصف حقق خلالها العديد من الإنجازات الهائلة، فقد أكمل دراسة البكالوريوس والماجستير في جامعة بايدجناستيت الامريكية وذلك عن طريق الانتساب، واكتسب من خلالها 22دبلوم في مجالات عدة كالتنمية البشرية، ويؤكد جمال الزبيدي على أهمية المرحلة التي تتلو الأسر مؤكداً أنّ "جهادنا الآن هو التثقيف وبناء عقول مستنيرة، وللأسف يوجد تراجع في الثقافة وفي الدين ونحن بحاجة للعمل على بناء الإنسان الواعي والمثقف " .

ويضيف " واجهتني صعوبات كثيرة لكن لم أعتبرها في يوم حواجز توقفني بل جعلت منها محفزات لتدفعني للتقدم وكنت موقناً أنَ الله سيمنحني طاقة لأكمل طريقي، وأيقنت خلال أسري أنَ مقاومتي انتقلت من بذل النفس إلى طلب العلم ومنحه، وذلك لتقديم نموذج فلسطيني لتطوير الشباب فكرياً ".

ويصف الزبيدي حاله عند الخروج من السجن قائلاً " عندما خرجت من السجن لم أكن أملك سوى 50 شيقل ، وفور خروجي عملت بمهنة الخياطة والتي حرص والدي على تعليمي إيّاها عندما بلغت السادسة من عمري حيث كان يصر على إكسابي أنا وأخوتي مهنة نعتاش منها إلى جانب شهاداتنا العلمية والتي أولاها اهتماماً كبيراً، وحينها تقاضيت أجراً جيد ساعدني على إكمال دراستي وإكمال مشروعي التدريب، لاستكمل التدريب داخل فلسطين وخارجها ".

ويستأنف كلامه"واجهت عدة مواقف صعبة في السجن، وأذكر منها يوم محاكمتي وعندما جاء والدي وهو يعاني من مشكلة في السمع وكنت أكلمه ولم يكن يستطيع سماعي، وهذا الموقف أثر فيي أكثر من الحكم نفسه، وكان لوفاة والدتي وأنا في السجن أثرٌ بالغٌ في نفسي فقد توفيت والدتي بتاريخ 14\8\2008 ، وبتاريخ 14\9 من نفس العام أي بعدها بشهر توفي والدي".

جرحين في شهر واحد كفيلين بأن يخمدا نار الحماس عند أي شخصٍ مهما بلغت قوته، لكن بالعزيمة والإصرار والطموح، كانت هذه النوائب دافعاً لجمال الزبيدي نحو الأفضل، فوالده الحاج كامل الزبيدي توفي في اليوم الذي كان من المقرر أن يزور فيه ولده بعد أن كان قد منع من الزيارة لمدة ثلاث سنوات، وعند تلقيه الخبر حاولاً جاهداً أن يصبر ويستعين بالله.

ويتحدث المدرب جمال الزبيدي عن استثمار الوقت في السجن قائلاً " السجن مدرسةٌ والأسير أمامه خيارين إما أن يجتاز اختبارات هذه المرحلة بنجاح أو يرسب فيها، فعلى الأسير أن ينسى أن حريته مقيدة، ويحاول استثمار فراغه الكبير، وأنا استطعت استثمار هذا الوقت من خلال قراءة الكتب الموجودة، وأدخلت بعض كتب الجامعات والمسابقات إلى السجن للإلمام بكافة الأمور، وحاولت إدخال كتب في الإدارة والتنمية، لكن إدارة السجن منعتني من ذلك ، و درست في السجن علوم القرآن وفقه العبادات ".

ومن خلال تجربته والتحديات التي تجاوزها بنجاح مشكلاً نموذجاً رائعاً للمقاومة، وهو من أكثر النماذج الذي يشكل رعباً لعدونا الصهيوني، لأنهم يعتبرونه خطر على كيانهم فهو السبيل الصحيح لبناء الشباب الفلسطيني الواعي بكافة المجريات حوله، وبالتالي بناء جيل يطالب بحقوقه وينتزعها،ويخاطب الزبيدي الأسرى قائلاً : " أنت أسير وبذلت أغلى ما لديك " النفس والحرية " ، وعندما تم اعتقالك هم قيدوا حرية جسدك، لكن لم ولن يستطيعوا تقييد روحك، بعد خروجك من الأسر قد تصدم بواقع مختلف، لكن من الضروري أن تتخذ قراراً لتحديد مستقبلك وأهدافك، ولا تخجل من العمل مهما كان، وتذكر أن الإنسان بدون طموح كالإنسان بدون روح، ولا تنتظر من الوزارة أن تقدم لك راتباً قد لا يكفيك لاحتياجتك الأساسية، واعلم أن الحياة عظيمة بوجودك، وأنت أديت جزءًا من رسالتك، والآن مقاومتك أهم وأعظم، وأطلب منك أخي الأسير أختي الأسيرة أن تضعوا هدفًا لحياتكم وتبذلوا ما بوسعكم لتحقيقه، ففلسطين بحاجة لشرفاءٍ مثلكم، وإن كان هناك تقصير بحقكم، لكن أكملوا دوركم لبناء المجتمع الفلسطيني، وبناء رؤية واضحة للإنسان الفلسطيني، والذي نستشعر مدى حاجته للتوعية بالمراحل التي يمر بها ".