ليث الكناني اختار الشهادة فغيبّه القدر



 

 فداء - عمّان / خاص

آيات صوالحة

بصماته تركت أثرا عميقا في كل زاوية ومكان، أخلاقه وطيبته ترسخت في نفوس الكبير والصغير، يتذكره الجميع وتلهج ألسنتهم بالدعاء له، كما أنهم ينتظرون أن يعرف مصيره، حاول والداه البحث عنه كثيرا ولكن لا إجابة شافية حتى هذه اللحظة، المفقود الأردني ليث الكناني سطّر مثالا للشاب المجاهد الذي قرر أن ينصر قضية أمته وأن يبحث عن حياة أسمى من الحياة الدنيا.

تستذكر والدة ليث بكل كلمة تفاصيل دقيقة من مراحل حياته، لا يمكن أن يغيب عنها ابنها ولو للحظة واحدة، كيف لا وهو من يستمع لندائها قبل أن تصدح به، عن هذا تقول أم بشير الكناني: " كنت إذا هممت بالنداء على ليث يأتيني قبل أن أقوم بذلك، كان شديد التعلق بي ويعرف كل ما يجول بخاطري قبل أن أتكلم، كان دائما يقول لأشقائه: أنا عن طريق أمي سأدخل الجنة".

يتضح من خلال حياة ليث المليئة بالانجازات أنه انسان ناجح في حياته وفعّال في مجتمعه، فقد حصل ليث على شهادة بكالوريوس في علم الحاسوب من جامعة الزرقاء الأهلية في عام 2006م، وكان يحرص على ممارسة الرياضة بكافة أنواعها فهو حاصل على 2 دان في لعبة الدفاع عن النفس "الكراتيه" ويهوى السباحة بالإضافة إلى مشاركته في اللجان الكشفية ، فقد كان قائدا كشفيا على مستوى مدينته الزرقاء والتي ولد فيها بتاريخ 2 /11 /1982م وترعرع فيها، كما كان عضواً في اتحاد مجلس الطلبة عن الاتجاه الإسلامي في جامعته.

تربى ليث في أسرة ملتزمة دينيا، حرصت على تنشئته في المساجد منذ نعومة أظفاره، فتعلم القرآن وحصل على إجازة في تلاوته وعمل في جمعية المحافظة على القرآن الكريم.

وعندما انتهى من دراسته الجامعية عمل في جمعية تعنى بالايتام  وتتبع لدولة الامارات العربية المتحدة حيث كان مديرها في الأردن، فقام بمتابعة عائلات الأيتام والاهتمام بهم.

تكمل والدة ليث حديثها عن أهم ما يميز نجلها فتقول : "كان ليث لا ينام الا بعد الاطمئنان علينا أنا ووالده وجميع أشقائه، ولا يغمض له جفن إلا إذا تأكد أننا راضون عنه تماما ، معروف عنه أنه : هادئ الطبع وحنون ويحبه الجميع، ويمتلك روح الدعابة حيث كان دائم المزاح معنا ، لم أذكر أن ليث تركني في أي نشاط ديني كنت أقوم به في منطقتنا سواء للإسراء والمعراج أو للأقصى أو غيرها ، فقد كان يعمل على انجاحها بما يمتلك من طاقات، بتقمص بعض الشخصيات احيانا فقد كان بارعا بالتمثيل، وبالسهر على جهاز الحاسوب ليتم بعض الأمور لنشاط معين أحيانا أخرى"

اهتم والدا ليث في تربيتهما على توعية الأبناء بقضية فلسطين كونها قضية الإسلام الأولى وبباقي قضايا الأمة، وربما أثرت هذه الامور بشكل كبير على ليث حيث أنه أصبح يتأثر جدا بكل ما يراه من حرب شعواء على القدس والمسجد الأقصى وغزة، فقد كان لا يحتمل رؤية والدته وهي تبكي على أطفال فلسطين ويحاول دائما أن يواسيها ويبشرها بنصر قريب.

وبعد سنة من إنهاء المرحلة الجامعية قرر ليث أن يكمل دراسته في جمهورية مصر العربية وبارك والداه هذه الخطوة ، مع أن قلب والدته لم يكن مرتاحا فقد كانت تشعر أن ابنها يخفي شيئا ما.

غادر ليث الأردن بتاريخ 23 /4/ 2007م إلى مصر، وغابت أخباره أسبوعين ، ثم اتصل بالعائلة في بداية شهر أيار من نفس العام وقال لوالديه بالحرف الواحد: "قررت الحصول على شهادة الآخرة بدلا من شهادة الدنيا، سأدخل فلسطين إن شاء الله ليكون لي دور فيها".

فهم والدا ليث أن دوره سيكون دورا تكنولوجياً ، وانتظرا اتصاله التالي للاطمئنان عليه إلا أنه لم يتواصل معهما بعد ذلك التاريخ، ولكنهما بقيا في الانتظار ولم يفقدا الأمل حتى أتم سنة كاملة دون أية أخبار.

بعد عام من اختفاء ليث ، كان لزاماً على والديه أن يشرعوا بالسؤال عنه، علماً أن إخوة الكناني لم يعلموا بقرار شقيقهم إلا بعد أن بدأت عملية البحث عنه.

توجه والد ووالدة ليث إلى وزارة الخارجية الأردنية وقدما طلباً للبحث عنه فتم سؤالهم عن مدى التزامه وهل انتمى لاي تنظيم وبعض الاسئلة الاخرى التي أجابت عنها العائلة دون تردد، تضيف الوالدة: " طلبنا منهم أن يستمروا بالبحث ويتواصلوا مع السفارة المصرية، فطلبوا منا أن نتواصل نحن معها، وحال السفارة المصرية آنذاك كحال الخارجية الأردنية، لا حياة لمن تنادي".

 

ومن مصادر غير رسمية  وصلت أخبار مؤكدة  لعائلة ليث تفيد أنه دخل إلى أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 ، فتوجهت العائلة إلى الصليب الأحمر الذي نفى بدوره خبر اعتقاله قائلاً أنه لو اعتقل لوصلهم الأمر خاصة أن هناك اتفاقيات بين الأردن والكيان الصهيوني، ووافق الأهل على أن يقوم الصليب بمخاطبة الكيان والاستفسار عن مصير ليث ليرد عليهم الأخير بعدم وجود أي شخص بهذا الاسم لديه.

كما توجه الوالدان إلى منظمة حقوق الانسان التي تجاهلت الموضوع و أضاعت ملف ليث لاحقاً ، و لم يترك الأهل مكاناً ولا مهرجاناً ولا فصيلاً فلسطينياً إلاّ وسألوا فيه عن ليث وبالرغم من عدم وجود أي اجابة أو اثر يدل على مصيره، إلاّ أنّ الأمل ما زال موجوداً لدى عائلة ليث .

أما تلك الوالدة التي ترى نجلها في كل ركن من بيتها، تقول: "في كل مكان أتذكره ، أحلم به أحلاماً جميلة في أماكن مقدسة أو في أفعال الخير ودائما يظهر لي بوجهه المضيء وابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه، والعديد ممن زارنا كان يحدثنا عن أحلام مبشرة عن ليث ومصيره، صوت ليث كان جميلاً جداً في قراءة القرآن وكنت أسعد عندما كان يؤم بي فأنا فخورة جدا بأن ليث هو ابني وأدعو له دائما ".

وعن عتبها على الحكومة الأردنية تقول: " الدولة التي تنسى أبنائها ليس لها حاضر أو مستقبل أو تاريخ فالتاريخ يسطر بأعمال الأبطال " .

أما شفاء شقيقة ليث فتقول: " نحن نفخر بليث فهو قدوتنا، هو الروح التي جعلت حياتنا تنبض بالمرح والسعادة ، كان لي مرشدا، علمني كيف أستفيد من هذه الحياة وكيف أفيد مجتمعي ومن حولي " .

وتضيف شفاء: "هذّب ليث نفسه بنسائم الجهاد، كان يحمل كل الرقة في قلبه ، كان حنوناً علينا جميعا وبالذات أخواته، وكان أكثرنا براً بوالدينا " .

وعما يتمناه والدا ليث من اللجان العاملة للأسرى والمفقودين وخاصة فريق دعم الأسرى الاعلامي "فداء" أن يحملوا على عاتقهم قضية المفقودين والتي لا تقل أهمية عن قضية الأسرى فكلهم عملوا وما زالوا في طريق تحرير الاقصى، وتؤكد أم بشير: " نحن معكم ونشد على أياديكم، وسنبقى معكم قلبا وقالبا، فالأسرى والمفقودون هم من حمل هم قضية فلسطين والاقصى، وكلنا سنحمل هم هذه القضية وسنقوم بكل ما نستطيع لإحيائها " .