عائد مرقة ... عندما يجتمع السجن مع الألم



 فداء - الخليل / خاص

سوزان العويوي
 
كانت الساعة قد تعدت الواحدة  صباحا حينما وصل عائد إلى بيته ، حيث كان في المشفى بصحبة ابنه الذي ألم به عارض صحي بشكل مفاجئ، أوصل ابنه لفراشه وقرر أن يحتسي فنجان قهوة، فلقد أصابه الأرق  ولم يعد للنوم حيلة، ولكنه لم يعلم أن فنجان القهوة هذا كان آخر ما يتناوله في منزله حتى أمد لا يعلمه إلا الله ، فلقد كانوا يترصدون عودته للبيت كما ملائكة الموت، انتظروا أن يستقر في بيته حتى بدأوا بطرق الأبواب بشكل عنيف وبكلمتهم المعهودة " افتخ الباب ".

فتح عائد الباب ليجد وجوها اتشحت سوادا كما قلوبها، تعلوها بشاعة ملامح وفظاظة لسان، لم ينتظروا كلمات الترحيب فهم يعلمون بأنهم غير مرحب بهم في أي بيت فلسطيني، دخلوا البيت عنوة، وشرعوا بتفتيش أدق تفاصيل البيت بل وأصغر قطع أثاثه، قلبوا المنزل رأسا على عقب، وبعد فترة دخلت مجموعة ثانية وتلتها ثالثة برفقة الكلاب البوليسية التي عاثت في البيت فسادا ونجاسة كأصحابها، لم يجدوا حرزا  ولكنهم وكعادتهم لن يتركوا المكان خاليي الوفاض، فعائد سيرافقهم، لا تعلم عائلته إلى أين سيأخذونه ، لكنهم يعرفون أنه ما إن يخرج معهم  فلن يكون بعدها إلا ألم الفراق ووجعه .
 
اعتقلوا عائدا وذهبوا به بعيدا وعيون زوجته وأطفاله الثلاثة ما زالت ترقبهم ، وتتمنى لو  كان حلما، تنتظر شروق الفجر ليثبت لهم أن "عائدا " ما زال هنا يظلهم بحنانه ويمنحهم  حماية الزوج والأب، فشادي ابنه الأكبر ابن السبعة عشر ربيعا والذي عاد معه لتوه من المشفى لم يصدق أن والده اعتقل، وكان نفس شعور الصدمة يتملك الابن الأوسط بشار ذو 15 عاما، وشذى الصغرى ابنة الثلاثة عشر عاما، ولم يكن حال والدتهم بأفضل، والصمت بدا سيد الموقف،  والذهول هو المعلم الوحيد الظاهر في تلك الليلة التي حملت تاريخ 11/5/2013. اعتقل عائد وصودرت سيارته الخاصة وجهازه النقال المتطور الذي كان قد اشتراه حديثا، وأجهزة أطفاله النقالة  كذلك، كما تم مصادرة جهازي حاسوب متنقل "لابتوب "، كل تلك الأشياء رافقت عائدا وقت اعتقاله، كما رافقته لهفة الأهل والأبناء.
 
ظنت العائلة وقتها أن الاعتقال هو الوجع الأكبر لهم ولأبيهم "عائد "، ولم يعلموا وقتها أن وجعا سيقف على رأس وجع حين اجتمعت ظلمة السجن مع ألم المرض،  بل الأمراض التي تسابقت بنهش جسد والدهم فور اعتقاله وخلال فترة التحقيق التي استمرت لأكثر من 40 يوما في ظل انعدام أي مقومات للحياة الإنسانية أو البشرية .
مرت فترة التحقيق بكل قسوتها على الأسير وعائلته التي لم تعرف عنه شيئا طوال هذه المدة، ولم يتمكن المحامون والصليب الأحمر الدولي من زيارة عائد في زنزانته في سجن عسقلان، وهو الذي أخضع وقتها مباشرة إلى ما يعرف بالتحقيق العسكري ، حيث لا يراعي المحقق في الأسير إلّا ولا ذمة .
 
انتهى مكوثه في عسقلان مع انتهاء التحقيق ، حيث نقل مباشرة إلى سجن عوفر القريب من رام الله ومن ثم إلى سجن ايشل في بئر السبع والذي يحتجز به حتى اللحظة . 
أصدرت قوات الاحتلال تصريح زيارة لزوجته الصابرة المحتسبة ، كان يهمها أن تراه  وإن كان من خلف القضبان الحديدية وألواح البلاستيك المقوى والحديث معه حتى وإن كان عبر الهواتف بتشويش صوتها المزعج، إلا  أنها صدمت حين رأت شخصا  آخر ، تغزو الأمراض جسده  بكل قسوة ، فهي توقعت أن ترى زوجها ابن ال 48 ربيعا لكنه لم يكن كذلك، فلقد أخبرها أنه ونتيجة التعذيب أصبح يعاني ضيقا في التنفس مع سعال شديد، وتضخم في الكبد ، إضافة إلى تشويش حاد في عينه اليسرى التي أصبحت الرؤيا بها معدومة تقريبا ، هو لم يخبرها عن أمراضه فقط  بل أخبرها عن وحشية الأطباء في تشخيص مرضه ، ومنعه من معرفة نتائج الفحوصات الطبية التي أجراها داخل المعتقل، وأخبرها أنهم وبعد كل هذه الآلام وصفوا له العلاج السحري " الأكامول " .
 
تألمت أم شادي وهي تتحدث عن معاناة زوجها مع الأسر والألم، فهي التي لم تتوقع يوما أن يعتقل زوجها، ولم تتوقع أيضا أن تهاجمه هذه الأمراض بهذه الشراسة ، فأبو شادي على حسب قولها "بيتوتي " أي أنه يحب المكوث في البيت أطول وقت ممكن، وملتزم جدا بعمله  كموظف في إحدى الهيئات شبه الحكومية في مدينة الخليل التي احتضنت ميلاده ونشأته، كما أنه يحب الجلوس برفقة أهله وأولاده كثيرا وتعلقه بهم شديد، وأكملت أم شادي حديثها موضحة أنه كان بصحة جيدة عندما اعتقل، حتى أن الثمانية وأربعين عاما التي تجاوزها لحظة اعتقاله لم تكن  قد رسمت خطوطها على جسده فكان يبدو أصغر من عمره بكثير، لكن الوضع الآن اختلف ، فلقد شاخ فجأة دون مقدمات .
 
تنتظر أم شادي وأبناؤها جلسات محاكمات الظلم التي كان فيها العدو هو القاضي والمدعي والجلاد ، مرت عشر محاكمات وما زال المحامون يخبرونها بأن الجلسات  ستطول، لا يعرف أي شخص متى ستنتهي هذه المحاكمات الجبانة، ولا ما سينطق به قاضي الظلم، لكن الجميع يعرف أن أقفال الزنازين لا تغلق  على أحد ، وأن الفرج بيد الله الواحد القهار وحده. ينتظرون قرار القاضي وما زالت ألسنتهم تضج وتلج بالدعاء بأن يشفي الله عائدا ويعيده لهم سالما، ويتمنون أن يكون له من اسمه نصيب فيكون "عائدا" لهم عما قريب .