الأسير حامد ورحلة معاناة داخل زنازين الاحتلال



فداء - فلسطين المحتلة

 

بعد أن عزل لسنوات ومنع من رؤية عائلته طول تلك السنوات... جاءه يوم يستطيع فيه البوح عن بعض ما يعتلج في داخله... وقت يعرف به العالم عن نفسه وعن ما قام به من أعمال ولدت الحقد لدى المحتل الصهيوني عليه... إنه الأسير إبراهيم حامد صاحب حكم بالسجن 54 مؤبداً.

يقول مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، إن الكاتب والناشط في مجال الأسرى، الأسير ثامر سباعنة التقى مع الأسير إبراهيم حامد ولأول مرة، واستطاع إجراء المقابلة الآتية معه:

وفي بداية المقابلة عرف الأسير إبراهيم حامد عن نفسه وهو المولود في سلواد بتاريخ: 14/11/ 1965 وهو متزوج وأب لابن وابنة( علي وسلمى).

وقال الأسير إبراهيم حامد إنه حاصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية من جامعة بيرزيت، وعلى الدبلوم في الدراسات العليا في التاريخ من العيسوية، إضافة إلى كونه يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة بيرزيت وكان قد تبقى له منها مناقشة الرسالة التي تعثرت بفعل الاعتقال.

كما عمل الأسير إبراهيم حامد في حقل البحث الاكاديمي في مركز أبحاث جامعة بيرزيت في موضوع التاريخ الفلسطيني الحديث - القرى الفلسطينية المدمرة 1948، وانجز كتابين حول قريتين هما: زرعين (تمت طباعته)، كفر عانة( لم يطبع) .

وكان الأسير إبراهيم حامد قد التحق منذ نشأته على الحياة بحركة المقاومة الإسلامية حماس، ليصبح فيما بعد قائداً ومجنداً لعشرات الشبان والاستشهاديين فيها، فكان إبراهيم حامد هو العقل المخطط لكتائب القسام في الضفة الغربية ومعه عباس السيد، فشكلا فيها عشرات الخلايا بسرية تامة، حتى إن الخلايا كانت لا تعلم بعضها البعض، وكان إبراهيم شخصاً حذراً وذكياً جداً وكان يتنقل من مكان لآخر متنكراً حتى يفلت من قبضة الاحتلال التي ظلت تلاحقه لسنوات.

يقول الأسير إبراهيم حامد وفي حديثه :" إن تجربته كانت مهمة وكان قد سجل أهدافاً كبيرة ضد جيش "اسرائيل" وأنه استطاع أن يدوخ جيشها سنوات طويلة وهم يبحثون عنه وهو يستخدم أكثر من طريقة للفرار منهم، وكان الاحتلال انتفاضة الاسرائيلي ومنذ بدء العمليات الاستشهادية التي بدأت مع انتفاضة الأقصى عام 2000 إن إبراهيم حامد وعباس السيد هما مهندسا والعقلين المدبرين لتلك العمليات والضربات التي كانت توجه للاحتلال في كل مدينة وقرية فلسطينية في الضفة الغربية في ذلك الحين.

إبراهيم عاش وعائلته المكونة من زوجته أسماء وأبنائه علي وسلمى تجربة مريرة من المطاردة والملاحقة والتشتت على مر السنوات التي انقضت قبل اعتقاله، لكنهم جميعاً صمدوا في وجه ما سببه لهم الاحتلال الاسرائيلي من أذى واعتداء شمل اعتقال زوجته أسماء في إحدى الفترات للضغط عليه.

ويروي بشكل يختصر ألمه يوم اعتقاله بتاريخ: 23/5/2006، بعد مطاردة استمرت سنوات، وفشل أبرع المحققين والخبراء العسكريين في انتزاع أي معلومة منه لحنكته وذكائه الذي عرف به، واستمر التحقيق معه لفترة تجاوزت الأشهر، حضر فيها أشهر المحققين الصهاينة.

وفي إحدى محاكمات القائد الأسير إبراهيم حامد، وعند عرض ملفه أمام القضاة، قال أحد ممثلي "الدولة العبرية":" حضرات القضاة، إني أقدم لكم اليوم أكبر ملف أمني في تاريخ دولتنا.. إنه أخطر أسير في سجوننا، قتل أكثر من 78 صهيونيا في أكثر العمليات دموية في تاريخنا... وإذا سألتم من نظم البرغوثي أقول لكم: إنه إبراهيم حامد.. إذن كل العمليات الاستشهادية التي خرجت من رام الله هو من يتحمل مسؤوليتها".

وجهت المحكمة الصهيونية لإبراهيم السجن 54 مؤبداً، وقامت بوضعه في العزل الانفرادي 7 سنوات منعته فيها من زيارة أي من أهله وعائلته، حتى تمكنت عائلته من زيارته بعد إخراجه من العزل بعد تلك السنوات السبعة القاسية.

وحول العزل الإنفرادي: تحدث إبراهيم حامد وقال عنه:" هو نظام اعتقالي يقصد به وضع الاسير في أضيق حيز فيزيائي واجتماعي ونفسي، وذلك للنيل من معنوياته وللمساهمة في تعطيل حواسه وإحداث تشويش بعيد المدى على صحته ونفسيته وعقليته".

ومما عرف عن الأسير إبراهيم حامد داخل الأسر وخارجه، إنه كاتب الشعر ومتذوق الأدب المعجون بالفلسفة والحكمة بلغة فنّيّـة ٍوأدبيّة مُؤثرة، حيث يقول أبو علي:" كانت المحاولة الأولى لكتابةِ الشعر عندما استلمت أول رسالةٍ بخط زوجتي وصلتني بعد فراقٍ قصري لستة سنوات، فلم أجد أجمل من الشعر كي أرسله للتي قاسمتني الألم والمعاناة والسجن والتّشرّد".

والأسير إبراهيم حامد يقضي وقته في الأسر قارئاً وكاتباً، يكتبُ عن نفسه (الابن البار لوالديه وعائلته)... وقد استلم ذات يوم صورة تجمعه بوالدته، فأمسك الصورة وغاب معها لدقائق وهو يتأمل أمه بلباسها الفلسطيني، لعلّه عاد بفكره الماضي الى أول أيام حياته مع الأم الغالية، التي علمته أبجديات اللغة وحركت قدميه ليتعلم أول خطوات المشي... ولعل الذكريات عادت به إلى حُضن أمّه الدافىء الذي كان يهرب إليه كلّما احتاج للأمان.

أما الآن... وبعد سنوات من العزل، بات الأسير إبراهيم حامد يُفضّل الهدوء والابتعاد عن الضوضاء والصخب، لكن كلّ ذلك لم يمنعه أن يُشارك إخوانه الأسرى شؤونهم ويسارع بوجه باسمٍ حنون للتعرف على كل أسير قادم إلى السجن.

وفي ختام اللقاء بالأسير القائد إبراهيم حامد، قال إن أصعب موقف تعرض له في سجنه هو رؤيته لطفلٍ فلسطيني لم يتجاوز العشر سنواتٍ قد أعتُقلهُ الاحتلال وكبّل يديه وقدميه وألبسه ملابس السجن البنيّة وكانت بحجم ٍ كبير على جسده...

ولمن لا يعرف إبراهيم حامد نقول: هو إنسان فلسطيني وليس بإرهابي أو قاتل أو زارعٍ للموت... هو إنسان يُتقن الإنسانية ويُتقن صناعة الحياة، لأنه لم يقبل أن يعيش أولاده في ظلّ الاحتلال، ولم يقبل بقاء أرضه سليبة، إنه الانسان الذي حمل حُلم والدته بأن الشمس ستشرق من جديد على قريتها دون أن تكون هناك مستوطنة مُقامة على أرضها، ودون أن يكون هناك جندي يستبيح البلاد .

من جهته قال فؤاد الخفش مدير مركز أحرار يجب أن يتم توثيق هذه التجارب وهذا التاريخ بشكل دقيق لأنه غني بالتجارب العملية والحقيقية لهؤلاء الأسرى الذين كانوا سبب في فرض معادلة توازن الرعب.