عيد .. ألعابه من حصى



فداء - الأسير جمال الهور / سجن نفحة الصحراوي

 
كان حجيج بيت الله الحرام يصعدون جبل عرفات يهللون ويكبرون ويلبون, بينما كانت شيماء وساجدة تمسكان بأطراف أمهن المعبق بروائح التوابل والبهارات المنتشرة في أجواء سوق رام الله .
يتبعنها عابرة بهن أمواج المتسوقين الذين ضاقت بهم أروقة السوق وأزقته وفاضت بهم محاله التجارية التي ألقت ما في بطنها لتعترض  أبصارهم فتسلبها زينتها وتستهوي أفئدتهم خاطبة دراهمهم وأموالهم .
خرجت تهاني من بيتها بصغيرتها لأول مرة بعد غياب زوجها هاشم منذ أربعين يوما وليلة , ولولا الضرورة  لما خرجت  ولفضلت الانشغال وقتل الوقت بين حاجاته تبحث وتفتش بين ثناياها عن رائحة تستنشقها وتغذي بها الذكريات لتبقى حية على مدار الساعات واللحظات .
كان العيد اليتيم الأول الذي يمر على هذا البيت الذي فقد والده فأجبرتها الضرورة أن تخرج بصغارها لتعمر صدورهم الطفولية بالفرح والسرور بألبسة العيد وألعابه.
تنقلت بهن بين المحال المزينة بألوان العيد والناثرة أريجها في سمائه ,كستهن بحلل باهظة الثمن ، وأغدقت عليهن من ألعابه حتى رضين, وابتاعوا من الحلوة وألوان الأطعمة ما يكفيهم أيام العيد الأربعة ثم ركبن الغروب عائدات, قبل أن يسقط الليل كسفه المعتمة فما أن دلفن عتبة الدار حتى تصايح الصغار( وعد, ياسر, أسماء) وتسابقوا نحو الأكياس واللفائف المحمولة في السلاسل ويحيى الرضيع يحبو في ذيلهم .
حاولت الأم المتعبة تهدئتهم بقولها:-  "كل واحد له كسوته وألعابه فاصبروا حتى نلتقط أنفاسنا  "  .
لكن الصغير لا يفهم لغة الانتظار ولا يفقه فلسفة التأني في طلب حاجته , وعندما يواجه عائقا في سبيل مبتغاه يسل سيف البكاء حتى ينال مراده , يئست من ردعهم  فراحوا ينهشون الأكياس من كل جانب وما كان لها من حول ولا قوة عليهم .
فاستسلمت لهم ملقية إليهم بالهدايا والألعاب فانفضوا من حولها كل يحضن لعبته وكسوته .
تركتهم وشأنهم وراحت تحلق ببصرها في جنبات البيت وتنفث آهاتها متمتمة بحديث النفس فتفلت من بين شفتيها الكلمات تشف عما يدور في خلدها.. الله على أيامك  يا هاشم, تركتنا لوحشة الأيام وغربة الزمان..  الله المعين .. يا ترى في أي أرض أنت ..أو في أي سماء , يا شقيق الروح هلا!!! تعود, فأفرح بعودتك فرح الصغار بعيدهم.
عادت من شرودها وقد هجع الصغار وسكنت أجسادهم لتبق شفاههم باسمة تقول بالرضا التام عن أمهم التي جلبت إليهم كل ما يحتاجه العيد كتذكرة دعوة لكل من يريد اللعب في رحابه.......
صمت البيت بنوم الصغار الذين احتضنوا لعبهم , شيماء ظلت تغازل فتاتها بفستانها الجديد وتعرض جسدها الطري على صفحتها تلائمه والفستان ، وبينما هي منشغلة بطفولتها فاجأتها أصابع أمها تنساب من جدائل شعرها المتعرجة , ثم لثمتها بقبلة دفيئة أودعتها الفراش وجلست تدندن عند رأسها :
نامي يا عروسة العيد
نامي يا زهرة العيد
شيماء يا أحلى نجمة
نامي يا.............
 وقبل أن تكمل ترتيلتها الأخيرة الملحنة بسكون الليل قطعتها همسة خجولة انزلقت من ثغر شيماء المتورد (العيد بيجيب أبوي معاه الصبح ما أمه) همسة هيجت في جوف أمها الليالي الخوالي بأحمالها حتى خنقتها الدمعات فلم تقو على النطق بالجواب , فأرسلت يدها تربت على ظهرها حتى أخذها النوم بأحلامه. 
ذهبت شيماء مع أحلامها بينما "تهاني" قامت لتقف أمام النافذة الغربية المطلة على الفضاءات الشاسعة فأرسلت بصرها مع الليل تفتش ظلماته المتراكمة بعضها فوق بعض عن طيفه الذي اختفى منذ زمن فيخيل لها وجهه المستدير، وثغره الضحوك متجليا كالنجمات في أبراجها فتناديه بلهفة روحها ونبض قلبها .. ثم تراه يختفي مع وميض الشهب الساقطة من السماء إلى الأرض، لكنها لا تأبه بذلك فتعيد المحاولة . تدقق النظر , تطلق عنان البصر فيتيه بين سحب الظلام ولا يعود عليها إلا بلون السراب فيصيبها الجهد والإرهاق فتلقي جثتها في فم النوم ليرحل بها عن دنيا البشر ويحط بها في دنيا الأحلام لعلها تلتقيه هناك بعيدا عن كل العيون.
أخذها النوم في رحلة إلى أعماق لم تدر زمانها ولا تعداد ساعاتها حتى قذف بها لما ضج الليل من حولها ، وتحول بسكونه ضوضاء عارمة, قرقعة حديد يصطك بعضه ببعض وجلبة أقدام قوية حول  البيت .
انسلت من فراشها بهدوء الخائف الحذر,والفزع يتملّكها ,اقتربت من الحائط ,مدت يدها  فأدارت مفتاح الكهرباء , فما أن أضاء البيت حتى فتحت مكبرات الصوت أبواقها تنادي بلكنة خليطة بين العربية والعبرية (اطلع من البيت , نص ساعة , سنهدم البيت , هناك قرار هدم).
صكت وجهها, عبس وانعقد جبينها, كبرت عيناها في محاجرها ,رجلاها ترتجفان ارتجافة الجذع في يوم عاصف.
جلست خلف الباب تسترق السمع تتبين الأمر لعلها تلتقط كلمة واحدة , أو اسما يذكر لتعرف من هؤلاء التعساء الذين حلت عليهم هذه المصيبة .. ,  وما هي إلا لحظات حتى قطعت مكبرات الصوت وجومها وحيرتها ,والتفت عليها صاعقة من محكمة الظلام.       
أولاد هاشم: طارق, اخرج من البيت , زوج هاشم يلا أخرج من البيت .. بدنا نهدم ,هاشم مخرب كبير . سمعت النداءات تتوالى وهي بين مصدق ومكذب ,لكن اسمه كان واضحا "هاشم..بيت هاشم..طارق ابني" .
فهذا يؤكد أن بيتها هو المستهدف وجاءوا ليفعلوا فعلتهم ..لا مناص. إذ لا يستطيع أحد في هذا الوجود اليوم أن يوقف بطشهم وعربدتهم , إنهم ..
مرة أخرى نادتها مكبرات الصوت نصف ساعة ونبدأ الهدم أدركت تهاني أن الوقت ينفد ولا مجال للتفكير فقد حلت كارثة وليس لها إلا الله.
وبينما هي في ذهولها وجنونها وقبل أن  تقف على قدميها كانت أصوات أقاربها وأناس من أهل الحي جاؤوا ينظرون الخبر , فلما وقفوا على حقيقة الأمر وسمعوا الانذار الأخير تدافعوا يطرقون ألأبواب والنوافذ , قامت فأدخلت  رأسها في الملاءة  وما أن فتحت الباب حتى تدافع النسوة والرجال في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أثاث البيت وأشيائه..
أما هي فلم تكترث بشيء,وكان أكبر همها أن تلتقف الصغار قبل أن تغتالهم حبات الموت التي تقذفها القنابل والمتفجرات أو تلتهمهم ألسنة الجرافات .....
راحت تهاني تنقل صغارها وهم يغطون في  نومهم الحالم بالعيد وتفترش لهم الأرض على مسافة ليست بعيدة من البيت . مسافة  تقيهم خطر الأحجار التي ستتطاير في الهواء بعد قليل.
وما هي إلا دقائق حتى عم المكان انفجار هائل تطايرت على اثره حجارة البيت في كل اتجاه ، وذلك بعدما حشوه بأرطال المتفجرات .. وما بقي منه صامدا كان طعاما لجرافاتهم فالتهمته حتى أتت على أنقاضه.
كان صوت الانفجار كالرعد المدوي بين طبقات الجو فما ترك لنائم حلمه ، ولا غافل في غفلته حتى الرضع في مهدهم, كل من سكن ذلك الحي من انس وجن, ويابس ورطب .
كل اهتز اهتزازة الأرض .. حركها زلزال أو نفخ في جوفها بركان       
كان صوت الانفجار أقوى من جفون شيماء الغافية فهز مسمعها فتفتحت عيناها الناعستين والابتسامة صاحب ثغرها الرطب بألعاب الطفولة. ظنت أن الصوت المدوي صوت العيد , جاء مكبرا ومهللا يناديها لتزينه ببراءتها وطفولتها الجميلة.. وما زادها دهشة واستغرابا جموع النسوة اللائي أحطن بأمها, وهذا الضجيج الذي ملأ المكان, وكيف أصبحت في العراء؟؟؟؟ وأين أخوتها؟؟؟ ولماذا اجتمع كل هؤلاء الناس ولما ينسلخ الليل من النهار تماما  .
تقدمت بخطوات متأرجحة تفرك عينيها حتى أمسكت بطرف أمها  فلم تلتفت إليها فقد هالها ما حل ببيتها .
فشدت طرفها نحوها بقوة فأحست بها فاحتضنت رأسها براحة يدها وألصقتها بجسدها وعلى يدها الأخرى الرضيع يحيى ,الذي كان يلتقط الدمعات الهاطله من عيونها فيطفئ جوعه وعطشه.
رفعت شيماء عيونها وسألت ( أجا العيد يا أمه ؟ )
فردت الأم بحدة المقهور 
 آه يا أمه أجا العيد!!!!
 آه معاه هداياه  !!!!
ثم غرقت في نحيبها , شعرت شيماء بجفاف الجواب فحررّت طرفها من يدها وراحت تبحث عن أخيها طارق ,لعله يشفي غليلها ويعطيها تفسيرا لما يجري من حولها .
كان طارق الابن البكر لهاشم وابن الربيع الثاني عشر يقف بين ثلة من الصبية والرجال وقد تجمعوا حول أكوام الدمار والركام التي آل إليها بيت هاشم ,وكانوا يشيرون بأصابعهم نحو أرتال الدبابات والجرافات التي بدأت رحيلها بين أسراب الجنود الصهاينة بعدما فعلوا فعلتهم النكراء ، وأضافوا جريمة جديدة من جرائهم في سجلهم الطويل المملوء قذارة وقبحا وصلفا.
كان فجر العيد قد انبلج ووضع صبحه المغسول في حمام البرد القارص من أيام تشرين 2003م ، عيد صبحه يرتجف تحت ضربات البرد كما أن طارق  كان يرتجف من هول المصاب.
تقدمت شيماء تقودها خطوط الضوء المتشابكة والمتأرجحة مع الهواء حتى لامست أصابعها أصابع طارق.. فتعانقت الأصابع البريئة الطاهرة وتبادلت العيون نظرات الحسرة والأسى.
شاهدت شيماء الدمار الذي حل ببيتهم الصغير وعشهم الأنيس وكيف صار كومة من حجارة ,فتسابقت دمعاتها لتختلط بتراب الأرض ,ثم سألت طارق  
ليش هدوا دارنا؟ 
أجابها طارق على الفور لأن أبونا بطل .
وبينما هم في عناق من القهر والحرمان فإذا صوت المآذن يعلو صداه ويصدح مع نور الصباح الذي ملأ الدنيا .
بدأت المساجد تلبي وتهلل فرحا بالعيد فانفض الناس وتفرقت الجموع من مكان الجريمة , ليلحقوا بالعيد ,وبدأت الشوارع تموج بأمواج الناس والمصلين ,وراح الصبية يتصايحون فرحا وطربا .. كلٌ يختال بملبسه  ويفخر بلعبته .
لتبقى شيماء مع اخوتها يقلبون الحجارة والحصى بحثا عن ألعابهم  وكسوتهم ... 
كانت لأم تهاني الصابرة المحتسبة ترقب فعل صغارها وترى شحوب وجوههم التي سكنها الرعب والخوف وعيونهم التي استوطنها الفزع بعدما هجرها الفرح وفقد فيها الحلم في مهده.
نظرت إليهم وقالت:رغم رائحة الدمار التي يفوح بها هذا العيد ,لا تبكوا..أحبتي..العبوا بالحصى , استروا أجسادكم بعجاج الأرض وغبارها.
ثم قالت:فداك الدنيا وما فيها يا هاشم 
 
إهداء إلى :
الأسير البطل هاشم احمد الصوص وزوجته الصابرة المحتسبة "تهاني أم طارق" والى جميع أولاده وبناته الصابرين 
اعتقل هاشم بتاريخ   22|12|2003م
ولد في بلدته أبو شخيدم / رام الله بتاريخ 17|7|1966م  , وحكم عليه في المحكمة الصهيونية بالمؤبد أربع مرات (400) سنة ويقبع الآن في سجون نفحة الصحراوي.