رسالة الأسير "سامي عريدي" وحديثه عن البوسطة



 كنتُ قد كتبتُ رسالةً وتم مصادرتها عندما كنتُ في مجدو، أما أنا الآن قد اتجهت جنوبا حوالي مئة كيلو متر في بئر السبع(ايشل).. هي مئة كيلو نعم... تقطعها السيارة بساعتين إن أبطأت، لكنها استغرقت معنا يومين من العذاب والموت البطيء، منها أكثر من عشرين ساعة أمضيناها فيما تعرف بسيارة (البوسطة) إنها المعاناة بعينها وجسمها ولحمها وكأن المعاناة تشكلت على هيئة حافلة لها أربع عجلات تأخذك من معاناة إلى أخرى.


هذا الصندوق الحديدي المصفح بالحديد من كل جوانبه مقطع من الداخل لصناديق حديدية صغيرة وكبيرة منها ما يتسع لأربعة أنفس ومنها ما يتسع لخمسة أنفس، ومنها ما يتسع لأربعة وعشرين نفسا متراكمة بعضها فوق بعض، لمقاعدها المخرمة حكاية.. وحدها ترفض أن تتصافح مع الجالس إلا بعد ست ساعات لا ترضى عنك حتى تشبعك برداً أو حرّا.

في الشتاء تمتص حرارة بدنك وتزودك بالبرودة اللازمة حتى ترجف عظامك ويتخللك البرد مفصلاً مفصلاً، يفتش عن كل زاوية فيك... يتغمسك حتى نخاع عظمك... يتفشاك كأنه الطاعون...
أما في الصيف فلا تسأل عن تلك المقاعد الملتهبة فإنها تنصهر ولحمك حتى يكادا يتداخلان ويبنيان علاقة المخرم بالمخرم, ينتسخ المقعد اللامقعد المخرم على هضاب ظهرك وما تبقى من شحمك المثالي الجميل وتزيد في انفعالات جسمك أنفاس المتراكمين على بعضهم من مناضلين ومجرمين (أمنيين وجنائيين يهود).

تتنفس نفسا قويا يزيد من صعوبة التفكير عندك حين يتسلل إليك خيطا أو بعض خيط من ضوء الشمس خلسة من دون إذن السجانين خلسة أو قُلْ رغم أنف السجانين... من تلك القدوح العارية من كل معنى، وبعض محاولات استراق البصر تنجح لإلقاء نظرة حزن وألم على أرضٍ سرقت فتقول في نفسك حزنا وليس سخطا... يا الله... لماذا أسجن في وطني على أيدي عصابات غريبة...؟؟ .

تتمزق ألما وحزنا حين تسمع (وقد سمعت) علجين يقول أحدهما للآخر من أين أتيتَ...؟؟ فيجيب من ايرلندا... ويعيد الآخر نفس السؤال على الأول فيقول من روسيا... عصابات تجمعت من مئة بلد وبلد لتحكم شعبا عربيا مسلما كريما بالنار والحديد...، للأقدار حكايات غريبة يصعب علينا فهمها ومغزاها وتفكيك رموزها …

ما أصعب أن نعتاد الحزن، فيصبح قوتنا اليومي وكأنما سيق بنا إلى مجهول في استرخاء وتصالح مع واقعٍ لا واقع، يا ليت احتلالنا كان من دولة عريقة لها تاريخها وحضارتها... لقلنا دارت الأيام فاليوم لهم وغدا لنا، لكنها والله عصابة حقيرة تجمعت من كل حدب... يا الله... ما أصعب السؤال والإجابة ..!!

والله ما عدتُ أقوى على حمل القلم... ليس تشاؤما ولا إحباطا...لا والله... إنما غضبا وقهرا ونقمة... ولولا دفعة الإيمان بي لما كنت أملك هذا التفاؤل وهذه الإرادة التي لا تلين إن شاء الله.